خاصرأي وكاتب

‏”يُـمَّـه عميـمه”‏

بقلم – خالد جناحي

يمه عميمة

‏ كان يوما باردا بلطف يتناسب مع أجواء هذه الفترة من العام في أوروبا، أتناول ‏كوبا ‏دافئا من القهوة واتطلع إلى مشاهد الجبال والبحيرات والغابات المزركشة ‏بألوان ‏الأشجار الخريفية المتداخلة بدرجات الأحمر والبرتقالي والأخضر والأصفر في ‏مشهد ‏طبيعي بديع، متناسق مع لون السماء الأزرق الفاتح الملبد بالغيوم السويسرية.‏

‏ كالعادة اطلعت على بعض رسائل الهاتف، ثم أجريت اتصالا بخالتي أمينة في ‏البحرين أطمئن عليها وقد أرهقت أخبار كورونا الجميع دون استثناء.. وبات ‏من ‏الحتمي أن أطمئن على الأهل من حين لآخر، كعادتها جاءني الصوت واثقا ‏وقويا ‏مغمورا بالحنان يعكس تماما شخصيتها القوية الممزوجة بالطيبة، ‏بادرتها ‏بالسؤال عن صحتها وأحوالها في ظل كورونا وعن أحوال الأبناء والأهل .. ‏قالت لي ‏‏”سأكتب كتابا، مللت من كورونا ويجب أن استفيد من الوقت في شي نافع”.‏

‏ كان الجواب مفاجئا للغاية بالنسبة لي، لأول مرة أعرف عن خالتي أن لها ‏ميولا ‏للكتابة، لكنها ليست أول مرة أعرف أنها عندما تقول “تنفذ” وعندما تعد ‏‏”تفي”، ‏فهي مثلها مثل جميع بنات المرحوم أبو بكر جناحي، ‏الوالدة مريم رحمة الله عليها ‏وخالاتي عصمت وسميرة وعاطفة، شخصيات جميلة مميزة تحمل ‏شموخ النخيل ‏البحريني وصلابته واحتوائه وطيب ثماره، رأيهن ناضج مثل رطب ‏الصيف وكلامهن ‏‏”قرارات لا رجعة فيها”، فلم أتعجب بعد شهور قلائل أن وجدت ‏الكتاب بين يدي ‏وعنونته “يمه عميمه”!!‏

‏ و”يمه” هي اللفظة العامية التي نطلقها على الأم والجدة “غالبا”.. في سرد ‏شيق ‏أخذتني المؤلفة هذه المرة “أمينة أبو بكر جناحي” إلى الأيام الجميلة التي أتمنى أن ‏تعود ‏يوما واحدا، سحبت أمام عيني شريط ذكريات الطفولة والصبا كاملا وكأنه ‏فيلما ‏سينمائيا يعرض على شاشة، أخذتني إلى “فريج العوضيه” بين حكاوي الآباء ‏والأمهات والجدات ‏والأجداد والعمات والخالات، وذكريات الناس الطيبة والزمن ‏الجميل حيث البساطة ‏والطيبة و”الأبواب المفتوحة” وجلسات الضحى والعصاري في ‏‏”البيت العود” واحتساء ‏الشاي والقهوة، التسامر ومشاركة الأفراح والأطراح بالصدق ‏والعفوية وطيبة النفس ‏والقلب.‏

‏ أعادتني مرة أخرى إلى أيام الطفولة واللعب في الفريج وفي بيوت الفريج، ‏وعلاقات ‏الجيران الودودة المحبة، علاوة على بيت عبدالرحمن وعثمان وجدي ابوبكر ‏جناحي “بيت المليا” و بيت جدي الحاجي ملا عبدالله جناحي، كانت بيوت الجميع ‏مفتوحة لنا مثل بيت عبد الرحمن الزياني ‏وبيت الشيخ إسحاق بستكي وبيت البسام ‏وبيت أحمد شريف وبيت أكبري وبيت محمد ‏طيب خنجي وعثمان خنجي وعبد ‏الرحمن خنجي “النوخذة” وبيت يوسف علي رضا ‏المعروف في حينها بـ”يوسف گاز” ‏و بيت محمد عبداللطيف خادم “خادميا” و بيت بهران وبيت الشيخ علي العوضي‎.‎

‏ أعادتني خالتي إلى فريج “البادقير” كما كنا نطلق عليه من كثرة أبراج الهواء ‏هذه ‏التي كانت تعلو جميع البيوت كوسيلة لتبريد الهواء بشكل طبيعي قبل ‏اختراع ‏‏”التكييف”.‏

‏ كانت العائلات تسكن مع بعضها البعض في “البيت العود” حيث الدفء ‏والونس ‏والحكاوي والسوالف والعلاقات الطيبة، حيث مشاركة الأفراح والمناسبات ‏والأعياد، كان ‏عالما جميلا بعيدا كل البعد عن صخب الحياة الحديثة، و”العوازل ‏التكنولوجية” ‏والموبايلات والتطبيقات التي جعلت الناس تجلس بالساعات مع بعضها ‏لكنها معزولة ‏كل في واديه ومشاكله وحياته.‏

‏ وتذكرت خالي “عقيل جناحي” الله يرحمه، وكيف كان هذا الشخص مميزا ‏ومختلفا، ‏كيف كان يهوى العزف بآلة الجيتار (الموسيقى الأسبانية و الكلاسيكية) ‏ويذهب للسينما، نعم السينما التي كانت بالنسبة ‏لباقي العائلة “المحافظة جدا” أمر غير ‏مستساغ أو مسموح ، لكن خالي “كان مختلفا” ‏بكل معنى الكلمة، تذكرت كيف جعلني ‏أحب السينما ولا زلت بعد مرور عشرات ‏السنوات أتذكر “الفيلم الأول” الذي حضرته ‏في دار سينما الزبارة بالمنامة وعمري 6 ‏سنوات ربما، حتى إنني اتذكر تفاصيله ‏واسمه “دوستي” وكان فيلما هنديا.‏

‏ تذكرت كيف كنت أدخر من مصروفي اليومي وأنا في المدرسة لأذهب إلى ‏السينما ‏أيام الاثنين والخميس والجمعة “بعد الظهر”، تذكرت كيف كانت كل سينما ‏معروفة ‏بطابع معين لأفلامها، فكانت سينما “الزياني” تعرض الأفلام العربية، وسينما ‏النصر ‏تعرض الأفلام الأجنبية، أما سينما “أوال” فتخصصت في الأفلام الهندية، ‏وسينما ‏القصيبي تعرض أفلاما معظمها “هندي” أيضا.‏

‏ تذكرت السنتين التي عشتهما في كنف جدتي و جدي وخالاتي وخوالي وكيف ‏ارتبطت بهم عاطفيا، لأن الوالد والوالدة اضطرا للسفر إلى دبي لظروف العمل ‏‏.. ‏تذكرت رمضان وأوقات رمضان الجميلة واللعب واحنا صغار والمجالس عندما ‏اشتد ‏عودنا شيئا فشيئا، وكيف كان رمضان بكل تفاصيله وسهراته وأيامه وعاداته.‏

تدفقت الذكريات وتذكرت واحدة من أحلى الذكريات “صديق الدراسة” المصباح ‏الكشاف‎ (flashlight) ‎‏ كان وقت دراستي في المنزل في الليل وبعض الأوقات بعد ‏منتصف الليل. وخشية من ازعاج الآخرين في حجرة النوم كنت استخدم المصباح ‏تحت اللحاف (البرنوص) للقراءة‎. ‎

مرت سنوات وسنوات أمامي من شريط العمر وكأنها كانت بالأمس.. سلمت يداك يا ‏خالتي ‏أمينة على الذكريات الجميلة وعلى “يمه عميمه”.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى