خاصرأي وكاتب

‏”فت أند بروبر”.. أم سمعا وطاعة!!‏

بقلم – خالد جناحي:‏

‏ مصطلح “لائق ومناسب” – أو فت أند بروبر ‏Fit and Proper‏ كما هو معروف ‏باللغة الإنجليزية – واحدا من المصطلحات المهمة التي ترد دائما ضمن المعايير ‏المطلوبة لأي وظيفة تحتاج تخصص أو مهارات معينة لأدائها، وهو يعني باختصار ‏اختيار الشخص المناسب والمؤهل لأداء وظيفة معينة وفق معايير محددة فالمُعلِم مثلا ‏يجب أن يكون لائقا ومناسبا “فت أند بروبر” ليقوم بوظيفته من حيث جدارته العلمية ‏وتأهيله الدراسي والخبرة والكفاءة والأخلاقيات والسمات الشخصية التربوية وغير ذلك، ‏ونفس الأمر ينطبق على الوظائف الأخرى الضابط أو المهندس أو الطبيب أو الإعلامي ‏أو غيرها من وظائف.. كل حسب احتياجات الوظيفة ومتطلباتها.‏

‏ وهناك سمات عامة “هامة جدا” يجب أن تتوافر في جميع هؤلاء لعل من أهمها ‏النزاهة والجدية والذكاء وحسن التصرف، وهي سمات أو مواصفات وجودها ضرورة ‏في جميع الأحوال.‏

‏ في دولنا العربية يدخل المصطلح في منحنيات أخرى لا ترتبط كثيرا بالمعايير التي ‏وضعت لتطبيق المصطلح الأصلي والمعمول بها في غالبية دول العالم المتقدم، “فت أند ‏بروبر” يعني الجدارة والكفاءة والنزاهة والخبرة والجدية، لكن في عقلية البعض عندنا ‏يعني الطاعة، سماع الكلام، لا تناقش نهائيا، تنفذ الأوامر في صمت، ربما خفيف الظل، ‏وأحيانا لطيف أو لطيفة، جميل أو جميلة .. وعند البعض المعيار الأول والأوحد هو ‏القدرة على التلميع والتطبيل والديمومة في هذا السبيل!!‏

‏ مشكلة الاختيار الصحيح في الدول العربية مشكلة أزلية تتداخل فيها عناصر الهوى ‏والمزاج والاستلطاف والاستخفاف والمحسوبية واسم العائلة وأحيانا الطائفة والعرق ‏واللون والديانة !!‏
للأسف عندما تتبع السيرة المهنية لبعض الشخصيات البارزة ستجد أن كل مؤهلاتهم لم ‏تكن أبدا من نصيب قاعدة “فت أند بروبر” بقدر ما كانت من نصيب قاعدة “سمعا ‏وطاعة” أو قاعدة “هذا من أهلنا” أو “هذا ولدنا” أو “هاذي بنتنا”، لقد بنا أشخاص ‏عديدون تاريخهم الخالي من النجاحات على قاعدة السمع والطاعة والثقة والصمت التام، ‏وليس على قاعدة الكفاءة والنزاهة والخبرة والجدارة.. وبنا أخرون وأخريات نجاحهم ‏على معايير أسوأ لا مجال لذكرها هنا.‏

‏ عضو مجلس الإدارة المستقل في مصرف أو مؤسسة كبيرة من المناصب التي تتطلب ‏أو يجب أن ينطبق عليها معيار الملائمة والمناسبة “فت أند بروبر”. ولكن عندما خرج ‏علينا المصرف المركزي البحريني بقرار منع ترشيح أعضاء مجلس الإدارة المستقلين الذين ‏أمضوا 3 دورات متتالية بمجالس ‏الإدارات وبحد أقصى 9 سنوات‏ كان يبدو من القرار ‏أن هناك نية لتطبيق “فت أند بروبر” باستبعاد عدد كبير ممن أمضوا 9 سنوات ‏كأعضاء مستقلين في مجالس الإدارات، لكننا لم نر لا “فت أند بروبر” ولا حتى “فت في ‏الشاي”!!‏

‏ أما الشخص المختار أو الذي قدم نفسه للمنصب وقد مضى عليه 9 سنوات كاملة فهو ‏يدرك تماما عندما يرى نفسه أمام “مرآة الحقيقة” أنه ضرب كافة معايير “فت أند ‏بروبر” بعرض الحائط، وإنه لم يضع حسبانا إلا لمعايير المصلحة الشخصية ‏و”البريستيج” المعرض للذوبان والوجاهة المعرضة للخذلان.‏

كي يتم تطبيق قاعدة “فت أند بروبر” بنزاهة وشفافية وعدالة في أي مؤسسة وعلى أي ‏مستوى يلزمك أمرين، شخص أو مجموعة أشخاص يحددون من ينطبق عليه المعيار ‏دون غيره ويمكن أن نطلق عليه “الحكم أو متخذ القرار أو المسئول الكبير” الذي يحدد ‏للمتقدمين أو المرشحين لشغل الوظيفة من فيهم الأفضل والأجدر بشغلها، وهنا يجب أن ‏نلفت النظر إلى أن هذا الشخص أو مجموعة الأشخاص يجب هم أصلا أن يكونوا “فت ‏أند بروبر” لشغل مناصبهم بالأساس وإلا سيكون الأمر برمته مجرد “غشمرة في ‏غشمرة”.‏

أما ما يدعونني للأسف حقا فهي أن أغلب من يحكمون على الأشخاص بأنهم “فت أند ‏بروبر” أم لا، هم أصلا ليسوا “فت أند بروبر” وهذه هي المصيبة الكبرى!!‏

والأمر الثاني الذي يلزم لتطبيق القاعدة بنجاح هو وجود معايير “واضحة” وشفافة ‏للحكم على الأشخاص المرشحين لشغل المنصب أو الوظيفة وفقا لقواعد “فت أند ‏بروبر”.‏

وهنا أتذكر أن مسئولا مصرفيا كبيرا في دولة خليجية وافق على تعيين شخص رئيسا ‏تنفيذيا لمصرف ما بخبرة لا تتجاوز 5 سنوات، رغم أن نفس المسئول الكبير “متخذ ‏القرار” كان يشترط خبرة لا تقل عن 15 سنة لمن يتقدمون لمناصب مماثلة لتلك التي ‏تولاها هذا الشخص!! بالمناسبة هذا الشخص المعين ربما يكون “ذكي وموهوب” ‏ويستحق المنصب، لكن أنا أتحدث هنا على الشفافية والعدالة ونزاهة متخذ القرار أو ‏المسئول في تطبيق قاعدة “فت أند بروبر”.‏

‏ جزئية اختيار الأكفاء والأكثر قدرة وخبرة وموهبة لشغل المناصب أمر في غاية ‏الأهمية، وقد يستهين به البعض لكنه مهم للغاية في حقيقة الأمر، بل يصل لدرجة ‏الخطورة في بعض الأحيان.‏

‏ وهنا أتذكر قصة جاسوس سوفيتي لصالح الأمريكان في عصر “الحرب الباردة” بين ‏البلدين، هذا الجاسوس لم ينكشف أمره أبدا إلا بعد سنوات طويلة جدا وربما بعد وفاته ‏حتى، هذا الجاسوس لم يرسل برقية واحدة بحبر سري، ولم يعرّض نفسه لخطر فك ‏شفراته الملغومة ‏إلى واشنطن، ولم يسافر إليها حتى، لكنه كان يعمل ليل نهار بجهد ‏أسطورى ‏دون أن تظهر عليه أمارات الغضب من النظام السوفيتى، كان يدافع عن هذا ‏النظام ‏بشراسة، يصرع أعداءه، يتهمهم بأنهم مرتدون عن النظرية الشيوعية، وكان ‏يجعل الرفيق ‏ستالين والرفيق خروشوف وحتى الرفيق الأخير غورباتشوف آلهة لا ‏تخطئ‎.‎‏. لكن ماذا طلبت منه أمريكا؟ كان للرجل مهمة واحدة، هى أن يقوم بتوظيف أردأ ‏العناصر فى جسم الدولة، فإذا تقدم عشرة موظفين لشغل وظيفة معينة فى مصنع أو ‏جامعة أو مؤسسة عامة كان يختار الأقل كفاءة وموهبة، والأسوأ خلقا، وبمرور الوقت ‏تحول الاتحاد السوفيتى إلى أرض خربة، أرض مهيأة للانهيار السريع، ساعتها لم تكن ‏أمريكا فى حاجة إلى حرب نووية يروح ضحيتها الملايين من الطرفين، وبخدمات هذا ‏الجاسوس وغيره استطاعت أمريكا أن تحقق نصرا بلا حرب حسب رؤية الرئيس ‏الأمريكى الأسبق ريتشارد نيكسون، نجاح هذه العملية المتقنة جعل واشنطن تكررها فى ‏بلاد أخرى!!‏

‏ اختيار الموظف أو المعلم أو المدير أو عضو مجلس الإدارة ومن ثم اختيارات هذا ‏العضو لمن يقوم بكل مهمة، مسألة تنهض بدول وتخسف الأرض بدول أخرى.. وقصة ‏الجاسوس هذا خير دليل.‏

‏ وصراحة أنا أتوقف كثيرا عند تطبيق مصطلح ‏”لائق ومناسب” ‏Fit and Proper، ‏وأتمنى أن يطبق بالشكل الأمثل في جميع دولنا العربية والخليجية على وجه الخصوص، ‏لابد أن يكون متخذ القرار أو المسئول “عنتر في مكانه” وليس “متعنترا” يصطنع ‏الشفافية والعدالة، قويا يتظاهر بالقوة في أمور لا تستدعي ويخضع عندما يستدعي ‏الأمر، لكن للأسف نحن ليس لدينا وفرة في “العناتر”، لكن المؤكد أن لدينا “فائض من ‏شيبوب”!! ‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى