خاصرأي وكاتب

‏حصريا.. المسلسل الرمضاني “188 ضد الشفافية”

بقلم – المصرفي خالد جناحي

‏ تلوح في الأفق ملامح “مسلسل رمضاني جديد” أسوة بالمسلسلات التي نشاهدها ‏على ‏القنوات الفضائية المختلفة، لكن هذه المرة المسلسل بحريني وتدور حلقاته بين ‏بعض ‏الصحف ووسائل التواصل وأحيانا في مجالس وجلسات خاصة، وندوات ‏ومحاضرات ‏تنظم “عن بعد”.. أما البطولة فهي لعدد من المصرفيين أصحاب الأسماء ‏المعروفة ‏سواء كانوا من جمعية البرستيج أو غيرهم وبعض ممثلي كبار التجار وقريباً ‏ضيوف الشرف من الحكومة والمشرعين والمسلسل يحمل عنوان “المادة 188 ضد الشفافية”.‏

‏ لقد دعيت من قبل جمعية الشفافية البحرينية للتحدث في ندوتها بعنوان “الالتزام بالمادة 188 ‏من قانون الشركات التجارية البحرينية مساء 29 مارس الماضي مع ثلاثة أفراد آخرين ‏يمثلون وزارة التجارة وجمعية المصرفيين وغرفة التجارة. وقبل الأمسية بوقت قليل دهشت ‏لما أخبروني المنظمين أن جميع المتحدثون الآخرون تعذروا عن الحضور ولو أنهم قد أكدوا ‏على المشاركة كتابياً، ولما استفسرت عن سبب اعتذارهم.. فأجاني الرد بأن ممثل الوزارة قال ‏أنه سيكون مشغولا مع الوزير والاخر قال أنه انشغل في موضوع والثالث اشترط حضوره ‏بحضور ممثل الوزارة. بعد هذه الواقعة أدركت ان سيناريو المسلسل قد تم استكمال إعداده. ‏فبداية الإعداد كان بالرسالتين (رسالة غرفة التجارة إلى سمو رئيس الوزراء ورسالة جمعية ‏المصرفيين الى وزير التجارة) و من بعدها موافقة الوزارة على تأجيل الالتزام بالمادة إلى ما ‏بعد أكتوبر 2021‏‎.‎

‏ ولا أدري صراحة سببا وجيها لهذه “الحملة المنظمة” أو “المسلسل الرمضاني” التي ‏بدأت ‏تنشر أو تذاع حلقاته مؤخرا لإيقاف قانون ساري واضح لا يدعو إلا للمزيد من ‏الشفافية ‏والإفصاح عن مزايا ومستحقات “موظفين عموميين” في شركات وبنوك ‏خاصة مدرجة ‏بالبورصة، وليست عن أملاكهم الشخصية أو حياتهم الخاصة، لهذه ‏الدرجة الأمر يستدعي كل ‏هذا الهجوم والمعارضة إلى الحد الذي تصل فيه الأمور لأن ‏يقول رئيس تنفيذي معروف لبنك ‏كبير جدا في جلسات خاصة “على جثتي أن تبقى هذه ‏المادة كما هي”.. لهذا الحد تخشون أن ‏يعرف صغار المساهمين في هذه الشركات ‏والبنوك حجم الأموال والامتيازات التي تحصلون ‏عليها بـ”شكل رسمي وقانوني”، ‏أكرر هذه “امتيازات قانونية” تحصلون عليها بشكل رسمي، ‏فلماذا هذه الرغبة الجامحة ‏في الإخفاء والتغطية وعدم الشفافية وعدم المصارحة؟؟ لماذا ‏تصرون أن تبقوا ما هو ‏‏”قانوني” في الظلمات دائما، وما أدرئك ما الظلمات ؟‏

‏ للأسف الشديد غرفة تجارة وصناعة البحرين تدعم هذا التوجه في “الإخفاء والتخفي ‏والتستر ‏والظلمة”، وكذلك جمعية المصارف البحرينية تدعم تغيير المادة وتدعو جهارا ‏نهارا للإبقاء ‏على امتيازات اعضاء مجالس الادارات والرؤساء التنفيذيين وكبار الموظفين “مخفي ‏تفاصيلها” في ‏غياهب الجب وأزقة الملفات وفي ظلمات بحار المصارف المجهولة، وربما ‏يكون لها ‏عذرها لأنها أنشئت للدفاع عن مصالح المصرفيين وخاصة الكبار منهم، لكن أن ‏تتخذ ‏بورصة البحرين نفس “التوجه” ولا تعارضه بكل وضوح وحسم، فهذه لم ولن تحدث ‏في ‏أي بورصة في العالم !!‏

من المستفيد من هذا القرار ؟
هذا سؤال مهم لأننا لو حسبنا بشكل بسيط عدد الشركات المدرجة في البورصة سيتبين ‏لنا أن ‏عدد أعضاء مجلس إدارات الشركات المدرجة في بورصة البحرين هو 364 ‏شخصا (عضو ‏مجلس إدارة)، نستثني من هذا العدد “المتكررون” وهم الأعضاء الذين ‏يحتلون المناصب في ‏أكثر من مجلس إدارة بنك أو شركة، سينخفض العدد تقريبا إلى ‏حوالي 300 عضو مجلس ‏إدارة، لو أضفنا إليهم 200 من كبار التنفيذيين مثلا في هذه ‏الشركات (وهي مناصب تشمل ‏الرئيس التنفيذي ونوابه وكبار المسئولين التنفيذيين)، ‏فنحن نتكلم في المجمل عن 500 شخص ‏على أقصى تقدير هم من يدعي البعض أنهم ‏سيتضررون من الإعلان عن رواتبهم وحوافزهم ‏وفقا للمادة 188 من القانون.‏

‏ في المقابل كم شخص من صغار المساهمين سيستفيد من الإفصاح في هذا القانون وهذه ‏المادة على ‏وجه التحديد، اعتقد أن عددهم يقدر بعشرات الآلاف من صغار ‏المساهمين ولوحذفنا ‏‏”المتكررين” أيضا فأنت تتكلم عن عدد لن يقل عن 30 ألف مساهم إضافةً الى أصحاب ‏المصلحة الآخرين .‏

ولمن لا يعلم عن المادة (188) من قانون الشركات التجارية رقم (28) لسنة 2020 ‏فهي ‏تنص على التالي: “يبين نظـام الشركة طريقة تحديد مكافآت رئيس وأعضاء ‏مجلس الإدارة، ‏حيث لا يجوز تقدير مجموع هذه المكافآت بأكثر من 10% من صافي ‏الربح بعـد خصم ‏الاحتياطات القانونية وتوزيع ربح لا يقل عن 5% من رأسمال ‏الشركة المدفوع، كما يجوز ‏للجمعية العامة أن تقرر صرْف مكافأة سنوية لرئيس ‏وأعضاء مجلس الإدارة في السنوات التي ‏لا تحقِّـق فيها الشركة أرباحاً أو السنوات التي ‏لا توزِّع فيها أرباحاً على المساهمين على أن ‏يوافق على ذلك الوزير المعنِـي بشؤون ‏التجارة، ويجب أن يشتمل تقرير مجلس الإدارة إلى ‏الجمعية العامة على بيان شامل لكل ‏ما حصل عليه رئيس وأعضاء مجلس الإدارة “كلٌّ على ‏حدة” خلال السنة المالية من ‏رواتب ومكافآت ونصيب في الأرباح وبدل حضور وبدل تمثيل ‏ومصروفات وغيرها، ‏وبيان ما قبضوه بوصفهم موظفين أو إداريين أو نظير أعمال فنية أو ‏إدارية أو ‏استشارية أو أية أعمال أخرى. كما يجب أن يشتمل التقرير المذكور الإفصاح ‏عن ‏مكافآت أعضاء الإدارة التنفيذية كلٍّ على حدة، بما في ذلك أية رواتب ومنافع ‏ومزايا ‏وأسهم”.‏

‏ في إحدى حلقات “المسلسل الرمضاني” يقول بطل من أبطال المسلسل أن “الإفصاح” ‏يؤثر ‏على تنافسية البحرين دوليا، وأنا لأول مرة في حياتي أعلم أن الإفصاح والشفافية ‏والوضوح ‏يؤثرون على سمعة الدول بالسلب وليس الإيجاب!!‏ فهذه المادة تحديدا تهدف بدرجة كبيرة من ‏خلال الإفصاح التفصيلي لرواتب ومزايا ‏الإدارة التنفيذية ومجلس إدارة الشركة المساهمة إلى ‏المزيد من الشفافية لرفع مكانة ‏مملكة البحرين دولياً ورفع تصنيفها في مؤشرات الثقة ‏والشفافية الدولية المعتمدة، وليس العكس.‏

‏ في مشهد آخر قال أحدهم أن الإفصاحات المطلوبة قد يكون لها تأثيرات على قانون ‏حماية ‏البيانات الشخصية والذي صدر في عام 2018، حيث إن الإفصاح باسم ومكافأة ‏مدير تنفيذي ‏أو عضو مجلس إدارة والذي تمثل بيانات شخصية قد ينتهك قانون حماية ‏البيانات الشخصية ‏للأفراد.. وهنا لا يفرق القائل بين البيانات الشخصية مثل رقم هاتفه ‏ورقم حسابه البنكي ‏ورصيده المجمل في البنك، وبين الرواتب والامتيازات التي يتحصل ‏عليها كموظف من أموال ‏المساهمين علنا جهارا نهارا!!‏

‏ في مشهد ثالث يقول بطل من أبطال المسلسل الرمضاني 188 هذه الجملة الغريبة ‏العجيبة ‏‏(هذه البيانات معلومات شديدة الخصوصية لا يحق لأحد الاطلاع عليها ولا حتى ‏أقرب ‏المقربين)، أموال تستقطع من حقوق المساهمين باتت شديدة الخصوصية ولا يحق ‏لأحد ‏الإطلاع عليها، وإذا كانت كذلك فلماذا تحصلون على موافقة الجمعيات العمومية ‏على هذه ‏البيانات التي لا يحق لأحد الإطلاع عليها، خذوها دون موافقتهم ودون أن ‏تدرج على جداول ‏الأعمال لأنها شديدة الخصوصية فمن باب أولى ألا تناقش في ‏الجمعيات العمومية وتعرض ‏على آلاف المساهمين!!‏

‏ وفي مشهد أخر يقول أحد هؤلاء الأبطال يجب ألا يقر هذا القانون على البنوك الأجنبية ‏المدرجة في البورصة، ونسي البطل الهمام أن كل البنوك المدرجة في البحرين حاليا هي بنوك ‏أسست في البحرين، فعلى هذا الاساس هي شركات بحرينية 100%.‏

‏ ويجب ألا ننسى أن في العمل الدرامي معظم “أبطال المسلسل” ينسقون أدوراهم وكلامهم ‏حسب رغبة “المنتج” ورؤية “المخرج”، وهو ما يبدو جليا في مسلسل “188” الرمضاني ‏الذي تخرج تصريحاته منسقة ومترابطة، لكن تتر المسلسل يخلو من اسمي المنتج والمخرج ‏حتى الآن!‏

‏ أخيرا .. أقول أنه رغم يقيني الشديد بأن هذه المادة صحيحة أيما صحة، وقانونية ‏لأقصى ‏مدى، ودستورية لأعلى مرادات الدساتير، فإنني على ثقة بأنها ستتغير ، لأن “علية القوم” ‏أرادوا ذلك و”لوبي” الكبار من عتاة المصرفيين والتجار في ‏البحرين ليس بالسهل ولا بالقليل، ‏ولتذهب “الشفافية ومؤشراتها” و”النزاهة ومعاييرها” ‏إلى الجحيم ، ولتذهب سمعة البحرين ‏إلى بارئها، وليشرب صغار المساهمين من البحر.‏

‏ أما إن خاب ظني.. فعهد علي أن أرفع يدي على الملأ واعتذر لكم جميعا، وحقيقة أتمنى من ‏الله أن يخيب ظني والجهات المعنية لا تبدل المادة 188 استجابة لاهواء 500 شخص.‏

‏ ولكن ظني أنه ‏لن يخيب ظني!!‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى