خاصرأي وكاتب

نموذج “التاتشرية”.. وجرأة “الأمير”‏

بقلم المصرفي – خالد جناحي ‏

‏ “مارغريت تاتشر” اعتقد أن من أكثر الألقاب التصاقا بأصحابها في العالم هو لقب “المرأة ‏الحديدية” لهذه “الاقتصادية والسياسة المعروفة”، واعتقد أنه مع مرور السنوات هناك بعض ‏الأجيال الشابة لا تعرف “تاتشر” كثيرا ولا تعرف لماذا لقبت بهذا اللقب ولا تعرف لماذا ‏تعتبر نموذجا يدرس في مناهج الاقتصاد والسياسة العالمية بأعرق جامعات العالم حتى الحين، ‏وهي التي تولت رئاسة وزراء بريطانيا العظمى خلال 11 سنة فقط من 1979م إلى 1990م.‏

‏ “نموذج تاتشر الاقتصادي” هو السر وراء اللقب ووراء الشهرة ووراء التاريخ، هو النموذج ‏الذي حفر اسمها في دستور الاقتصاد العالمي، تولت تاتشر رئاسة وزراء بلدها في وقت يختبر ‏فيه البلد “حالة كارثية”، كانت بريطانيا ما بعد الحرب قد أصبحت مختبراً تجريبياً لمزيج من ‏الاشتراكية والرأسمالية.. فقد تم تأميم أجزاء واسعة من البلاد، بما في ذلك النظام الصحي، ‏وصناعة الصلب، وتعدين الفحم، وأجزاء من قطاع التجزئة والفنادق، وحتى وكالات السفر.. ‏وأصبحت بريطانيا مرادفاً لدولة الرفاهية الكاملة، مع توفر الرعاية الشاملة للمواطنين، وانطبق ‏ذلك بشكل خاص على النقابات، التي بدت وأنها تتمتع بسلطة جامحة‎.‎

شاهد عيان
‏ كان الاقتصاد البريطاني يعيش وقتا عصيبا بكل معنى الكلمة، وكنت شاهدا بالصدفة على ‏هذه الأحداث لأنني انتقلت من الجامعة الأمريكية في بيروت بعد عام واحد قضيتها هناك إلى ‏بريطانيا للدراسة عقب اندلاع الحرب الأهلية في لبنان مباشرة عام 1975م، وكانت بيروت ‏من أجمل مدن العالم حينها إن لم تكن أجملها.‏

‏ وبعد انتقالي ودراستي في بريطانيا التحقت بشركة “برايس ووتر هاوس” تقريبا مع تولي ‏‏”تاتشر” زمام الأمور بكاريزمتها الواضحة وصعود نجمها بقوة في الأوساط الاقتصادية ‏والسياسية في بريطانيا، هذه الكاريزما التي تأكدت مع مرور السنين ووضعتها في مصاف ‏القادة التاريخيين على مستوى العالم وليس المملكة المتحدة فقط.. على الرغم من أنها كانت ‏سببا من أسباب القضاء على معقل الثورة الصناعية الأولى في ترافورد بارك (‏Trafford ‎Park‏) في مانشيستر.‏

‏ مع بداية حياتي العملية كنت واحدا من الذين شهدوا وعاشوا هذه التطورات الصعبة في ‏بريطانيا خاصة بين الفترة من 1979 إلى 1983م (حوالي 4 سنوات)، ورغم صعوبة الوضع ‏كانت النتائج مثمرة للغاية واستطاعت “تاتشر” أن تعيد بريطانيا إلى دائرة الاقتصادات ‏العظمى مجددا بعد أن كانت مهددة بقوة، وعلى الرغم من الفاتورة المكلفة التي دفعتها تاتشر ‏ودفعها الشعب البريطاني أيضا في هذه السنوات لأنه لا يوجد أبدا “تغيير جذري كبير” دون ‏ثمن.‏

‏ والحديث عن نموذج تاتشر أو التجربة “التاتشرية” وليس عن أي نموذج اقتصادي آخر ‏معروف أو ناجح مثل النموذج الألماني، الصيني الحديث، وتجارب هونغ كونغ وسنغافورة له ‏أسبابه اليوم، لأن نموذج تاتشر متخصص في شأن “الخصخصة”، والتحول من إدارة الدولة أو ‏الحكومة إلى إدارة القطاع الخاص على أسس ومعايير ثابتة وواضحة.‏

الوضع صعب للغاية
‏ كانت بريطانيا في حالة مفترق طرق واضحة، الدولة أقل قدرة على المنافسة على نحو ‏متزايد، وانخفضت صناعتها إلى درجة لعبت معها بالكاد دوراً في التجارة العالمية، وكان ‏الجنيه الاسترليني يعيش في حالة سقوط حرّ، ولم تكن لأي من ساسة بريطانيا القوة لإدخال ‏إصلاحات جذرية، وبقي الحال كذلك، حتى أصبحت تاتشر زعيمة لحزب المحافظين، ثم ‏ارتقت لتصبح رئيساً للوزراء في العام 1979‏‎.‎

‏ في وسط هذه الأجواء الاقتصادية الملبدة بغيوم “الحرب الباردة” التي كانت على أشدها بين ‏الكتلتين الشرقية والغربية بزعامة الاتحاد السوفيتي هنا وأمريكا هناك، كان لدى “تاتشر” من ‏التصميم والقوة للدفاع عن المملكة المتحدة ومنعها من الانزلاق في غياهب النسيان ‏الاقتصادي.‏. ‏ كانت مبادئها التي سجلت في التاريخ بمسمى “التاتشرية”، بسيطة جداً، لكنها ‏جذابة أيضاً: خصخصة ‏الشركات المملوكة للدولة؛ والحد من قوة النقابات بشكل جذري؛ ‏ووضع حد للتضخم المزمن؛ ووقف ‏الضرائب بطريقة المصادرة، كان على السوق الحرة أن ‏تعود إلى المملكة المتحدة، وكان يتوجب القضاء ‏على النسخة البريطانية من الاشتراكية تماما.‏

‏المرأة الحديدية ليست من فراغ
لم تلقب “تاتشر” بالمرأة الحديدية من فراغ، ولم تلين أبدا في مواجهة الإضرابات بما فيها ‏إضراب “عمال مناجم الفحم” الذي استمر عاما كاملا ويزيد، عُطل خلالها مئات المصانع ‏وأضر بوتيرة الإنتاج، وفي نهاية المطاف، أفلس الاتحاد الوطني لعمال المناجم من المال ‏وانكسرت المقاومة.‏

كانت أصعب معاركها، من دون شك، وقد شل ذلك الإضراب أجزاء كبيرة من الصناعة ‏البريطانية، لكن رئيسة الوزراء رفضت أن يحرف أي شيء خططها عن المسار، وخلقت لها ‏رأسماليتها الصلبة ومعركتها التي لا ترحم ضد النقابات أعداءً ألِدّاء.. ومع ذلك، ما يزال يُنظر ‏إليها اليوم كواحدة من أهم الإصلاحيين لفترة ما بعد الحرب‎.‎

حديث الأمير
‏ حديث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للتلفزيون السعودي قبل عدة أسابيع، – وقد ‏كان حوارا مليئا بالمعلومات والأفكار وخطط المستقبل أيضا – جذب انتباهي بشدة واستدعى ‏في ذاكرتي “نموذج تاتشر” وحكايات المرأة الحديدية – ، أعجبني “جرأة الأمير الشاب”، ‏وضوح أهدافه، عدم خجله من الاعتراف بوجود خلل في بعض الوزارات ونقص في بعض ‏الكفاءات بما في ذلك “وزراء الحكومة” عندما تحدث عن الملف الإسكاني، وتأخير تسليم ‏الوحدات الإسكانية بشكل لا يتلائم مع مكانة السعودية، قوته في الطرح واضحة، حديثه مدعم ‏دائما بالأرقام ومن ذاكرته ليس من أوراق مكتوبة، وليست لديه مشكلة أن يجرب فكرة لفترة ‏محددة ثم يعيد تقييم الوضع من جديد للتجربة ويكملها أو يلغيها، مثلما تناول ملف الضرائب ‏والرسوم.‏

‏ وقد واكب الحديث تغيير في وزارة الاقتصاد والتخطيط، وتعيين الوزير الشاب فيصل بن ‏فاضل الإبراهيم وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي منذ 3 مايو الجاري.. في تطبيق عملي ‏وسريع لمبادئ اختيار الكفاءة على كل أصناف المحسوبية والنفاق (العائلة – الطائفة – القبيلة ‏‏– زمالة الدراسة – الجيرة – نعم يا سيدي – التطبيل والتلميع).‏

‏ وبات السؤال ملحا على ذهني، هل يمكن أن ينجح نموذج تاتشر في دولنا الخليجية، حتى مع ‏وضع بعض التوابل والبهارات العربية عليه ؟! ‏

‏ تمر المملكة العربية السعودية بفترة تحول اقتصادي مماثلة تقريبا للفترة البريطانية أثناء ‏تولي “مارغريت تاتشر”، شعب يعيش مستوى اقتصادي مرتفع معفيا من الكثير من ‏الالتزمات “لا ضرائب – لا رسوم ، مع العديد من المنح والمكرمات الملكية”.‏

‏ في الوجه الآخر للعملة.. هبوط سعر النفط القوي مع تنامي استخدامات الطاقة النظيفة ‏والصعود القوي لصناعة السيارات الكهربائية مما يهدد عرش النفط على الأقل فيما بعد عام ‏‏2030، وأزمات اقتصادية عالمية متتالية ابتداء من أزمة الائتمان العقاري 2008 وحتى ‏جائحة كورونا 2020 وتبعاتها الاقتصادية الكبيرة، كلها عوامل مؤثرة على أي اقتصاد مهما ‏كانت قوته وصلابته.‏

هذه الوضعية الاقتصادية لدول الخليج ترتب عليها أن يتوقع صندوق النقد الدولي ‏‏”قبل ‏الجائحة” في فبراير 2020 أن الاحتياطات من النقد الأجنبي التي تتضائل في البنوك ‏الخليجية بفعل الثلاثي “هبوط النفط – كورونا – عجز الموازنة” ستكون “صفرا” بحلول عام ‏‏2034م، ولكن مع ‏الوضع الراهن والتداعيات الاقتصادية المؤثرة لجائحة كورونا ربما يكون ‏التاريخ المحدد قبل ذلك ‏بكل تأكيد.‏

‏ رسائل هامة وجهها الأمير الشاب خلال الحوار، رسم من خلالها خارطة طريق لتحقيق ‏استقرار وسلام المنطقة بدون تنازل عن الثوابت، ورسم ولي العهد السعودي خلال حواره، في ‏شقه الاقتصادي، خارطة طريق لمستقبل المملكة بعد الإنجازات التي حققتها بعد 5 سنوات من ‏إطلاق “رؤية 2030″، وأعتقد أن أكبر العقبات التي ستواجه الملف الإصلاحي الاقتصادي ‏العربي بشكل عام هو “البيئة القانونية” الصحية الصلبة وتطبيقها.‏

الخصخصة السعودية
‏ بحكم الخبرة والتخصص.. سأتوقف قليلا عند الشق الاقتصادي وخاصة فيما يتعلق بوضع ‏شركة النفط السعودية العملاقة “أرامكو” – تعتبر أكبر شركة نفط في العالم، أتمت في أواخر ‏‏2019 أكبر طرح عام أولي في العالم – التي أكد ولي العهد السعودي أنها ستطلق المزيد من ‏عمليات بيع الأسهم، وهذا “الكاش” سوف يتحول لصندوق الاستثمارات العامة ليعاد ضخه ‏داخل وخارج المملكة، وهو نفس الخط الذي اتخذته “تاتشر” في خصخصة أصول الدولة ‏الكبرى.‏
‏ تصريح الخصخصة واكبه تراجع مباشر عن “فكرة الضرائب” فقد نفى الأمير في حديثه أن ‏تكون هناك ضريبة دخل، كما أكد أن ضريبة القيمة المضافة “مرحلية” أو “مؤقتة” وليست ‏دائمة وعندما تمر الظروف الراهنة قد تختفي تماما.‏

‏ إذن.. فقد ظهر من هذه التصريحات أن تنويع مصادر الدخل في السعودية “الاقتصاد الأكبر ‏خليجيا وعربيا” لن يكون عن طريق الاستمرار في طريق الضرائب “المنهك للشعب” بقدر ما ‏هو توجه صريح نحو “خصخصة أصول الدولة الغنية” ناهيك عن التوجهات الاقتصادية ‏الإنتاجية المتمثلة في زيادة القاعدة الصناعية والزراعية، وخطط تطوير القطاع السياحي الآخذ ‏في الازدهار.‏

هل تنجح الخصخصة الخليجية ؟
بات السؤال الأكثر أهمية بعد “حديث الأمير”.. هل تنجح الخصخصة السعودية” هل تستطيع ‏السعودية أن تسير على “منهج تاتشر” أو نموذج “التاتشرية”؟ هل يطبق المنهج بتفاصيله أم ‏يحتاج تغيير وتعديل يواكب المرحلة وطبيعة الاقتصاد وطبيعة السياسة أيضا ونهج الحكم؟ ، ‏وهنا بالطبع نلفت الانتباه إلى الاختلافات الجوهرية بين اقتصادات البلدين “نفطي وغير ‏نفطي”، وطبيعة الحكم السياسي .‏

‏ نعود إلى “نموذج تاتشر” مرة أخرى لنرى أن العمود الرئيسي لمنهج “تاتشر” كان الاعتماد ‏على “نظام قانوني” قوي جدا، بيئة تشريعية ونيابية “عريقة بكل معنى الكلمة”، لذا إصرارها ‏على تطبيق النموذج الاقتصادي وفقا لمعايير قانونية صارمة، كانت هي كحكومة أول من ‏التزم بها، يسرت عليها أمور عديدة، وساهمت في نجاح خطتها في تحويل كامل وجذري ‏لبريطانيا من بلد نصف اشتراكي إلى واحد من أكثر اقتصادات ‏العالم ليبرالية، وهو إنجاز لم ‏يسع أي من خلفائها، حتى من حزب العمل إلى تفكيكه لاحقا.‏

‏ القاعدة الثانية التي اعتمدتها “تاتشر” هي الخصخصة مقابل الإدارة”، بمعنى أنها لم تأخذ ‏أموال القطاع الخاص وتتداخل معه في الإدارة وتشرف على كل كبيرة وصغيرة في القرارات، ‏وتدس رجالها ونسائها في كل مناصب الإدارة وتستحوذ على أغلبية في مقاعد مجلس الإدارة، ‏أبدا لم يحدث هذا.‏

‏ “خصخصة تاتشر” فتحت المجال بشكل حقيقي لأصحاب رؤوس الأموال الذين استحوذوا ‏على الأصول، للإدارة وفقا لطريقتهم وأسلوبهم دون أي تدخل حكومي يذكر غير الإشراف ‏والتنظيم العام للقطاعات الاقتصادية سواء كانت تجارة أو صناعة أو صيرفة وغيرها.‏

‏ خلاصة القول.. إذا كانت دول الخليج جادة في التوجه نحو “الخصخصة” كآلية ناجعة لتنويع ‏مصادر الدخل، فهذا يقتضي الالتزام بقاعدتي “تاتشر” الذهبيتين، قاعدة قانونية صلبة شعارها ‏القانون فوق الجميع، والتخلي تماما عن إدارة الأصول المباعة لمن دفعوا “البيزات”.‏

‏ فهل تستطيع حكومات الخليج أن تفعلها ؟؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى