خاصرأي وكاتب

من يحاسبهم؟ ومن يدفع فاتورة الخسائر الفادحة؟؟!‏

بقلم – كريم حامد*‏

لا أدري صراحة كيف أوصف القرارات التي تصدر عن بعض المسئولين عن البورصة المصرية أو المرتبطين بها ؟؟!! هل يمكن أن تصدر مثل هذه القرارات والتصريحات عن مسئولين يحرصون فعليا على البورصة ، ويدرون أصول وقواعد عملهم و حدود ‏صلاحياتهم.. وطبيعة سير الأمور في البورصة المصرية.. ومن يسيطر عليها أو يتلاعب فيها وبها ؟!‏
‏ السيد الوزير هشام توفيق وزير قطاع الأعمال العام يصدر تصريحا أقل ما يوصف به إذا افترضنا حسن النوايا ‏لأقصى درجة أنه “غير مدروس” وهو التصريح الذي أكد فيه على أن تسعير الطروحات الحكومية للشركات المقيدة ‏سيتم وفقًا لمتوسط السعر السوقى للسهم خلال أخر شهر تداول، مضافاً إليه أو مخصوما منه %10.. علما بأن الدفعة ‏الأولى من برنامج الطروحات 5 شركات هي الإسكندرية لتداول الحاويات، والشرقية للدخان “إيسترن كومباني”، ‏وأبوقير للأسمدة، والإسكندرية للزيوت المعدنية “أموك”، ومصر الجديدة للإسكان والتعمير.‏
وتسبب هذا التصريح بشكل مباشر وصريح في انخفاض أسعار الأسهم في البورصة بشكل عام والأسهم المرشحة ‏للطرح بشكل خاص، – خسائر اليوم الذي صدر فيه التصريح بالبورصة المصرية تقدر بحوالي 24 مليار جنيه – والتصريح بشكل عام اعتبره البعض “هدية” من الوزير للمتعاملين في السوق، واعتبره البعض الآخر “هدية” ‏للحيتان الكبيرة فقط، وانخفضت الأسهم حتى سجل سهم مثل مصر الجديدة أقل سعرا له منذ سنوات مسجلا ‏‏19.9 جنيه بعد أن وصل إلى 40 جنيه في مارس الماضي، وسهم آخر مثل الشرقية للدخان ينخفض من 30 جنيه إلى ‏‏15 جنيه.. وأموك من 12.75 جنيه إلى قرب 8 جنيهات !! وهكذا.‏
ولمن لا يعلم الوزير – الذي نكن لشخصه كل احترام – فهو هشام أنور توفيق، أحد مؤسسى أكبر وأقدم شركات ‏الوساطة المالية.. ‏وحصل «توفيق» على بكالوريوس اقتصاد تخصص إدارة أعمال من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، كما ‏حصل على ماجستير ‏إدارة أعمال تخصص تمويل من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران بالمملكة ‏السعودية، وعمل كمستشار لوزير ‏المالية، يوسف بطرس غالى، من 2005 إلى 2007. وهو الرئيس السابق لشركة ‏‏«عربيا أون لاين» لتداول الأوراق المالية، ‏فضلا عن كونه مؤسساً مشاركاً سابقاً فى «‏EFG-Hermes‏».‏
إذن فالرجل خبير ضليع في أمور السمسرة والبورصة والاقتصاد، ويعلم جيدا تأثيرات مثل هكذا تصريح على سوق لا ‏يتمتع كثيرا ‏بتداولات عقلانية أو منطقية.‏
‏ ولا يهمني في واقع الأمر بعض المبررات “الباهتة” التي يحاول البعض ترويجها لحسابه مثل مراعاة انخفاض السعر ‏لنجاح ‏الطروحات، وخاصة من بعض الذين يطلقون على أنفسهم خبراء ومحللين، وأنا لا أرى “بعضهم” إلا مجموعة من ‏الموظفين في ‏شركات السمسرة والاستشارات لا يهمهم في الغالب مصالح البسطاء بقدر ما يهمهم “مجاملة” المسئولين ‏من جهة ، ومن ‏جهة أخرى الشركات التي ترتبط مع شركاتهم بـ”مصالح صريحة”، وتهيئة الأجواء لها في السوق ‏بتوصيات توجه البسطاء ‏صعودا وهبوطا.‏. وربما هم على دراية وعلم كبيرين بالسوق ولكنهم يوظفون ذلك توظيفا يخدم أنفسهم ومصالحهم فقط.
وإذا افترضنا جدلا أن خفض السعر سيساعد على نجاح الطروحات بمبدأ أن أسعار الأسهم ستعاود الارتفاع مرة أخرى ‏والمساهمون يحققون مكاسب، هناك خطة لمزيد من الطروحات مستقبلا وهو ما يستوجب إعادة خفض الأسعار مرة ‏أخرى لتهيئة السوق للطروحات الجديدة، فمن المستفيد الأكبر من الارتفاع والهبوط في كل مرة ؟؟!!‏
ناهيك عن أن البورصة المصرية بطبيعتها “مجاملة” وبالعامية “بتتلكك”، بمعنى أنه لا يوجد أي حدث محلي أو إقليمي ‏أو دولي إلا وكانت البورصة المصرية أول الهابطين وآخر الصاعدين، ونحن نتكلم عن أسهم هي بالأصل تتداول ‏تحت قيمها العادلة بمراحل (تتراوح القيمة العادلة لسهم مثل مصر الجديدة مثلا بين 63 و80 جنيه مصري)، هذا في ‏الوقت الذي كان من المتوقع وفق أغلب الدراسات والمؤشرات الاقتصادية أن تتجاوز أسعار هذه الأسهم قيمها العادلة ‏نتيجة لتعويم الجنيه وانخفاض قيمته أمام جميع العملات وعلى رأسها الدولار الذي ارتفع من 6 جنيهات قبل ثورة ‏يناير إلى قرابة 18 جنيها الآن، وهذا إذا انعكس على أسعار الأسهم التي كان يتداول بعضها بمثل قيمها الحالية قبل 30 ‏سنة ، فأقل ما نقوله أنه يجب أن ترتفع أغلب الأسهم بحد أدنى 200% عن أسعارها الحالية على أقل تقدير.‏
‏ السيد هشام توفيق وزير قطاع الأعمال القادم من خلفية متصلة بقطاع البورصة والوساطة المالية بشكل مباشر أول ‏من يعلم هذا الكلام، ولا شك عندي أنه يعلم جيدا تأثير تصريحه .. وهو التصريح الذي التقطه حيتان البورصة فورا ‏وهبطوا بالأسهم إلى قيعان لم تلمسها منذ سنوات على أمل أن يتم “تجميع” هذا الأسهم بتراب الفلوس عند الطرح، ‏وخسرت البورصة مئات الملياررات بالفعل !!! وإذا كان السيد الوزير لا يدري تأثير تصريحاته فهذه مصيبة أخرى.‏
وفي ذات الوقت الذي تبحث فيه البورصة عن أي أخبار إيجابية للصعود بعد 6 أشهر متواصلة من الانخفاضات، ‏وتحديدا منذ أبريل الماضي عندما تم رفض عرض شراء شركة “جلوبل” غير المبرر حتى لحظة كتابة هذه السطور .. ‏ومن بعدها نجد أن كل الأخبار تصب في جذب مؤشرات البورصة مجددا لأسفل وبقوة، بما في ذلك إيقاف سهم القلعة ‏الصاعد للسؤال عن قيمة عادلة وغيرها من قرارات كان للسيد محمد عمران رئيس هيئة الرقابة المالية ‏نصيبا لا بأس به منها !!‏
‏ وإذا كان السيد عمران يهتم كثيرا بحقوق الأقلية وصغار المساهمين ويعمل جاهدا على إيقاف أي محاولات للتلاعب ‏بالأسهم، فأنا بمنتهى الأمانة أقدر ذلك جدا وأحترمه وأشد على يديه، لكنني أنبهه بكل صراحة إلى أنني ما دخلت إلى ‏أي صفحة للمتعاملين في البورصة على كثرة هذه الصفحات في مصر حاليا، ولا تحدثت مع أحد هؤلاء المساهمين ‏الصغار إلا وشكا مر الشكوى من الخسائر التي تكبدها خلال هذا العام.. وآخرها ما حدث في سهم “ثروة كابيتال”، وهي ‏فضيحة في حق صغار المساهمين، ونحن ننتظر نتائج المراجعة التي تجريها الهيئة والبورصة وما ستسفر عنه من قرارات ؟؟؟ ‏
بشكل عام.. هناك مشكلة واضحة يجب أن يتصدى لها السيد عمران والسيد محمد فريد رئيس البورصة .. ليس مع ‏المتلاعبين في السوق أو المضاربين، ولكن المشكلة الأهم هي تأثيرات القرارات والتصريحات سواء منهم أو من ‏غيرهم بشكل مباشر على صغار المساهمين، وهم “المتضررون” دائما من القرارات والتصريحات غير المدروسة ‏أوالخاطئة أوالكارثية أوالمضللة أو المتواطئة !!‏
الخسائر في الواقع لم تقتصر على صغار المساهمين، والضرر لم يصبهم وحدهم لكن الحكومة نفسها (التي يمثلها ‏الوزير وعمران وفريد ايضا) كانت الخاسر الأكبر لأن المتوقع من طرح هذه الأسهم انخفض إلى النصف.. البورصة خسرت خلال الأسابيع الأخيرة فقط أكثر من 58 مليار جنيه منذ تصريحات الوزير بخصوص الطروحات، فيما فقدت 230 مليار جنيه منذ الإعلان عن الطروحات في شهر مارس الماضي عندما كسر رأسمالها السوقي حاجز التريليون جنيه، والآن رأسمالها 766 مليار جنيه، وهو رقم ضخم جدا بمعايير السوق، في ‏ظل استقرار سياسي وأمني ومشروعات اقتصادية جارية ولا يوجد أي سبب جوهري لهذه الخسائر المتتالية!!‏
‏ واليوم تم الإعلان رسميا من قبل اللجنة العليا لإدارة برنامج الطروحات بإرجاء طرح نسبة 4.5% من أسهم رأسمال ‏شركة الشرقية للدخان.. والسبب الأساسي هو أن سعر التداول الحالى لسهم الشرقية للدخان يقع خارج النطاق السعرى ‏الوارد بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 926 لسنة 2018 الخاص بإعادة تنظيم أحكام برنامج طرح أسهم الشركات ‏المملوكة للدولة أو التى تساهم فيها فى الأسواق وتوسيع قاعدة الملكية.. وبالطبع جاءت بعض الأسباب الدولية ‏والإقليمية الأخرى المكملة.‏
‏ السعر “خارج النطاق” وهذا لأسباب، وهناك مسئولون تسببوا في خروج السعر عن النطاق وتأجيل الطرح، وتسببوا ‏في خسائر فادحة للبورصة المصرية ولجميع المساهمين، فمن يحاسب هؤلاء ومن يدفع فاتورة الخسائر الفادحة ؟؟!!‏

*رئيس تحرير موقع “تجار” الاقتصادي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق