بنوك وتأمينخاصرأي وكاتب

بين “النزاهة والشفافية”.. و”البرستيج والنقدية”

بقلم – المصرفي خالد جناحي:‏

حالة ترقب في الأوساط المصرفية عقب قرار المصرف المركزي البحريني(بحسب التعميم المُرسل للبنوك في تاريخ 29 ديسمبر من العام المنصرم) بمنع ‏ترشيح أعضاء مجلس الإدارة المستقلين الذين أمضوا 3 دورات متتالية بمجالس ‏الإدارات وبحد أقصى 9 سنوات (كأعضاء مستقلين)، اعتقد أن القرار سيحدث دويا هائلا وصدى واسعا في ‏قطاع البنوك البحرينية لأن هناك أعضاء مجلس إدارة معينين في بعض البنوك لمدد ‏طويلة جدا.. قد تصل لدى بعضهم إلى 25 سنة وأكثر!!‏

القرار الأخير فعليا بات “حديث المدينة” في القطاع المصرفي البحريني هذه الأيام حتى ‏وصفه البعض بالزلزال الذي سيضرب ثوابت متجذرة في بعض مجالس الإدارات ‏المصرفية، خاصة مع اقتراب فترة الاجتماعات العامة السنوية للشركات والبنوك ‏المدرجة في البورصة.. ومع توقع (إذا طبق القرار بحذافيره) خروج عدد كبير من أعضاء مجالس الإدارات ‏ارتبطت أسماءهم لسنوات طويلة ببعض البنوك سواء بأثر إيجابي أو سلبي أو دون أثر ‏على الإطلاق!!‏

المصرف المركزي البحريني قد أصدر تعميما مؤخرا على البنوك البحرينية يفيد بوجود ‏إشعارات “قرارات” جديدة في إطار سياسات الشفافية وتحسين الأداء تلزم البنوك بعدم ‏ترشيح أي عضو للجمع بين منصب الرئيس التنفيذي وعضوية مجلس الإدارة تحت أي ‏مسمى، كما أن أولئك الذين أمضوا 3 دورات لمجلس الإدارة كأعضاء “مستقلين” قد ‏فقدوا هذه الصفة، ويجب ألا يعاد اختيارهم أو تسميتهم في مجالس الإدارات تحت نفس ‏المسمى مرة أخرى. ‏

‏تطبيق القرار “إن طبق” سيضع العديد من البنوك المحلية في موقف يحتم عليهم ‏سرعة التحرك، في ظل سيطرة بعض الأسماء المصرفية المحدودة (لأن مافي في البلد إلا هذا الولد) على هذه المقاعد ‏طوال فترات طويلة وخاصة في البنوك البحرينية الكبرى.

حقائق على الأرض

في أغلب دول العالم الأمر محسوم ولا توجد مثل هذه “التعيينات الأبدية” أو حتى الجمع ‏بين المناصب الذي يثير علامات استفهام “غليظة” لأن هناك تطبيق حقيقي لمعايير ‏‏”الحوكمة”.. “النزاهة” و”الشفافية”.. لكن بالطبع في الدول العربية الأمور تختلف وقد ‏اعتدنا على الاختلاف فيما يبدو.‏

من خلال القيام بنظرة سريعة على تشكيل مجالس الإدارة للبنوك المحلية  في ‏البحرين، من الواضح أن معظم الأشخاص الذين تم تعيينهم كمستقلين كانوا في المجالس ‏لأكثر من 3 فترات، البعض في المجالس لأكثر من 25 عاما، البعض ممن يطلق عليهم ‏أعضاء مجلس الإدارة “المستقلين” في بعض البنوك كانوا في مجلس الإدارة لفترة ‏أطول من 3 إلى 4 رؤساء تنفيذيين مختلفين.. ورغم ذلك لم يفقدوا “استقلاليتهم” أبدا!!‏

‏ في إحدى الحالات، تم تعيين رئيس تنفيذي سابق كعضو مجلس إدارة مستقل.‎

أسئلة مطروحة

أعتقد أن الوسط المصرفي يطرح حاليا العديد من الأسئلة حول “مستقبل تطبيق القرار ‏وأثره”، لكن ربما أهم سؤالان يتم تداولهما حاليا هما:‏

‏- هل ستأخذ بعين الاعتبار المدة الماضية للفرد أم لا؟، هل ستبدأ 9 سنوات من تاريخ ‏التعميم دون مراعاة الماضي؟.. أم سيتم التطبيق فورا على من أمضوا 9 سنوات وأكثر؟

اعتقد أن بعض الحالمون يفسرونها هكذا، وأن هذه قاعدة جديدة ولا ينبغي أن ينظروا ‏إلى الوراء ويتوقعون من مصرف البحرين المركزي تقديم توضيح لهذا الغرض‎.‎‏. لكنني ‏أعتقد أن القرار واضح وينطبق فورا على من أمضى 9 سنوات وأكثر مع حلول ‏الجمعيات العمومية الراهنة وإعادة تعيين أو انتخاب مجالس الإدارات.. وإلا أن المد ‏لبعض من أمدوا 25 سنة لأعوام إضافية سيكون “مزحة ثقيلة”.‏

‏-‏ السؤال الثاني الذي يطرح نفسه في الأوساط المصرفية هو ما إذا من يسمون ‏بأعضاء مجلس الإدارة المستقلين السابقين هل يسمح لهم ‏بإعادة انتخابهم في مجلس الإدارة كأعضاء مجلس غير تنفيذيين؟، وكيف تفي البنوك ‏بمتطلبات الحد الأدنى لعدد أعضاء مجلس الإدارة المستقلين حسب متطلبات ‏مصرف البحرين المركزي ووزارة التجارة؟

على الأرجح سيتم زيادة عدد أعضاء مجلس الإدارة للوفاء بهذه المتطلبات، ولكن دعني ‏أقول  مرة أخرى أنه يجب مراعاة أعلى معايير الشفافية والنزاهة في التطبيق للحفاظ ‏على سمعة القطاع المصرفي البحريني.‏

في التحليل النهائي

أولاً، يجب تهنئة مصرف البحرين المركزي على تحديده أخيرًا الحد الأقصى لتسمية ‏الأعضاء المستقلين في مجالس إدارات البنوك، ويجب الآن تطبيق القرار بمنتهى ‏الشفافية على جميع كيانات الخدمات المالية في البحرين، كما يجب ألا تسمح لنفس ‏الوجوه بالتغيير في المجلس من مستقل إلى غير تنفيذي، لأنه ببساطة هذه مزحة والتفاف ‏حول القرار.‏

ثانياً، نأمل من أجل نزاهة المركز المالي في البحرين، ألا يضع مصرف البحرين ‏المركزي استثناءات من أجل الأفراد الحاليين في مجالس الإدارة. ففي قرارات سابقة، كانت هناك استثناءات. فعلى سبيل المثال لا يمكن لعضو مجلس إدارة ان يتواجد في أكثر من مجلس إدارة بنك من نفس نوعية الرخصة. و لكن لا يمكن للبنك المركزي أن يقر أن شخصاً لم يفقد ‘استقلاليته’ بعد 9 سنوات و شخصاً أخر فقده. فهذا يعتبر استهتاراً لقرارات المصرف المركزي نفسه. نعم ممكن للمصرف المركزي أن يقر ان شخصاً فقد استقلاليته قبل مرور 9 سنوات لأسباب معنية. ‎

أخيرًا، تعد النزاهة أهم مؤهلات عضو مجلس الإدارة  المستقل، الآن اطرحوا على أنفسكم سؤالاً ‏بسيطاً، هل الشخص الذي يتمتع بنزاهة حقيقية والذي عمل في مجلس الإدارة لأكثر من ‏‏9 سنوات تحت مسمى عضو مجلس إدارة مستقل يقبل على نفسه أن يستمر بعد القرار، ‏وهل صفة الاستقلالية لم تتأثر بطول فترة تواجده في المنصب؟ أم أن الامتيازات ‏والوجاهة التي يتحصل عليها البعض ستدفعهم دفعا للبحث عن “أبواب خلفية” للعودة ‏ضاربين عرض الحائط بالنزاهة والشفافية.. وباحثين مجددا عن أطباق “المحلبية”.‏

‏* محلل مصرفي‏

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق