خاصرأي وكاتب

الفك المفترس !!‏

بقلم المصرفي – خالد جناحي

‏ معروف تاريخيا أن العملات الخليجية مربوطة بالدولار منذ السبعينات مع طفرة ‏أسعار النفط التي واكبت وأعقبت حرب أكتوبر 1973، ، وتربط 5 دول خليجية بما ‏فيها البحرين عملاتها بالدولار بشكل مباشر، فيما تربط الكويت الدينار بسلة عملات ‏يعتقد أن الدولار الأمريكي يهيمن عليها، ثم بدأت هذه الدول فيما بعد ذلك في التفكير ‏بربط عملاتها جميعا “فكرة العملة الخليجة الموحدة” التي بدأت قبل 30 عاما تقريبا ولم ‏تنفذ رسميا حتى الآن.‏

‏ في هذا التوقيت كانت اقتصاديات دول الخليج مختلفة من حيث التصنيف والإمكانات ‏فكان الدينار البحريني مثلا يساوي 10 ريالات قطرية و10 دراهم إماراتية وريال ‏عماني واحد.. وفي العديد من بلدان الخليج كالبحرين يمكنك أن تقضي مشترياتك من ‏المحال والمطاعم بهذه العملات بكل بساطة، وهو ما اعتبر تمهيدا عمليا لفكرة العملة ‏الموحدة التي كانت تهمنا في البحرين على وجه الخصوص، على الأقل مع السعودية ‏الشقيقة الكبرى.‏

عملات

مع مرور الوقت وتراكم الاحتياطات النقدية الأجنبية في بنوك الخليج التي بلغت ‏ذورتها في مطلع الألفية الجديدة عندما وصلت أسعار النفط لقمة قياسية (128 دولارا ‏للبرميل) كان وضع العملات الخليجية جميعا أكثر من ممتاز على جميع الأصعدة، في ‏ظل تسعير النفط والغاز بالدولار ساعد ربط العملات الخليجية دول المنطقة ضد تقلبات ‏أسواق الطاقة وسمح لبنوكها المركزية بجمع احتياطيات كبيرة من العملات الاجنبية، ‏ولكن ماذا عن الوضع الراهن ؟ هذا هو السؤال المهم الآن!!‏

‏ في مايو 2020 وبعد 3 أشهر فقط من بدء تأثيرات كورونا الاقتصادية، خرجت وكالة ‏‏”بلومبرغ” بتقرير تقول فيه أن ربط العملات الخليجية بالدولار غالبًا ما تعرّض ‏لضغوط بسبب تدهور أسعار النفط، ولكن “هل تواجه العملات الخليجية اختبارًا شرسا ‏الآن مع تفشي فيروس كورونا وتأثير الركود الضاغط على ميزانياتها منذ سنوات؟!” ‏وكان من بين الحلول التي اقترحها التقرير “تعويم العملات الخليجية أو فك الربط”.‏

سبقها صندوق النقد الدولي الذي نشر في فبراير 2020 تقريرا توقع فيه أن الاحتياطات ‏النقدية الأجنبية في دول الخليج ستكون “صفرا” في عام 2034م بسبب الركود ‏الاقتصادي العالمي وانخفاض أسعار النفط مع استمرار ارتفاع النفقات الكلية لهذه ‏البلدان، مما سبب عجوزات كبيرة في الميزانيات.‏

‏ وتوقعاتي مع الوضع ‏الراهن والتداعيات الاقتصادية المؤثرة لجائحة كورونا ربما ‏يكون التاريخ المحدد قبل ذلك بكل ‏تأكيد.‏

‏ إذن لدينا صورة واضحة الآن، عجز متفاوت في الميزانيات الحكومية الخليجية.. ركود ‏اقتصادي عالمي سابق لكورونا.. وضع اقتصادي صعب للغاية في ظل كورونا التي ‏تنخر في الاقتصاد وفي احتياطات النقد الأجنبي بالبنوك المركزية أيضا، ولا ندري متى ‏سينتهي “النخر” حتى لحظة كتابة هذه السطور.‏

‏ هذا وضع لم يكن موجودا بالمرة عندما ربطت العملات الخليجية بالدولار في ‏السبعينات.. الاقتصادات قوية، الميزانيات فائضة، احتياطي النقد الأجنبي ضخم، ولا ‏يوجد أي عجز في الحساب الجاري، البحرين مثلا لديها الآن عجز في الحساب الجاري ‏بحوالي 9% بخلاف أن نسبة الدين العام في التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي بلغت ‏نحو 133% من الناتج المحلي الإجمالي!!‏
‏”الربط المتين” للعملات الخليجية بالدولار يتعلق إلى حد كبير بحجم احتياطياتها من النقد ‏الأجنبي وأصولها التي تحتفظ بها صناديقها للثروة السيادية، وفي ظل الظروف الراهنة ‏إن لم تتحرك الحكومات والمصارف المركزية على وجه الفور والسرعة لتدبير حالها، ‏وإيجاد حلول بديلة سيكون الوضع صعبا بلا شك.‏

الدولار الأمريكي

الخطر الأكبر الآن أن تضطر دول الخليج “اضطرارا” لفك الربط مع الدولار وهو ما ‏يعرف اصطلاحا بـ”التعويم” – لا قدر الله – الذي سيكون بمثابة “صفعة قوية” ‏للاقتصاد الخليجي لن تتلاقاها الحكومات وحدها، ولكن سيتلاقاها المواطن الخليجي ‏على خده الأيسر، ويتلقاها المواطن البحريني أو العماني على خديه الأيمن والأيسر ‏وربما رأسه وقفاه!!‏

‏ لكن لماذا؟ لأن البحرين وعمان الاقتصادين الأضعف حاليا خليجيا واللذين يتلقيان دعما ‏من باقي دول الخليج “مشروع المارشال الخليجي” سيكون الأثر عليهما مضاعفا لأنهما ‏سيتأثرا تأثرا مباشرا، وتأثرا غير مباشر بتأثر دول الدعم.‏

‏ السبب الثاني أنه في حالة فك الربط وإعادة تقييم العملة وفقا للأوضاع الاقتصادية ‏الراهنة، ربما لن يكون الدينار البحريني مساويا لعشرة ريالات قطرية أو عشرة دراهم ‏إماراتية مثلما كان الوضع في الثمانينات والتسعينات.. فالقيمة الحقيقية للعملة ستختلف ‏بعد فك الربط وفقا للتقييم الاقتصادي لكل دولة.‏

‏ التعويم في هذه الظروف الصعبة -وفي ظل عدم وجود محترفين مثل ستيفن سبيلبرغ ‏‏(‏Steven Spielberg‏) للإخراج الاحترافي المتميز- سيكون بمثابة “الفك المفترس” ‏الذي سينهش لحم العملات الخليجية نهشا، فاللهم قنا شر جائحة كورونا وتداعياتها ‏الصحية والاقتصادية، وقنا شر “الفك المفترس”، ودمتم في صحة وأمن وسلام، وكل ‏عام وأنتم بخير.‏
‏ ‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى