رأي وكاتب

الاهتمام بالفجوات في التنمية البشرية

هل يجب أن يكون الدخل هو البُعد الأساسي عند مقارنة رفاهيّة البشر؟ هل نمتلك صورةً كاملةً عن رفاهيّة البلد من خلال معاينة متوسط​​ إحصاءاتها فقط؟ هل يجب أن يركِّز المجتمع على الحاضر مُتجاهلاً التحدِّيات والفّرص المستقبلية على المدى المتوسط والطويل الأجل؟ إن الإجابة الواضحة والمؤكّدة على الأسئلة الثلاثة هي: لا.
في هذا العام، يحاول تقرير التنمية البشرية العالمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي توضيح الأسئلة الثلاثة المذكورة أعلاه، وتبرير السبب الذي يدفعنا إلى التطلّع إلى ما يتجاوز الدخل، وما يتجاوز المتوسطات، وما يتجاوز الوقت الحاضر، وذلك في سعينا لمعالجة أوجه عدم المساواة القائمة حول العالم، والاستجابة لها.
يبدأ التقرير من الفرضيّة القائلة بضرورة ضبط أوجه عدم المساواة، ذلك لأنها تُضعِف التماسك، وتضرّ بثقة الناس، وتمنع الموهوبين من الوصول إلى إمكاناتهم. وبناءً على ذلك، فإن التقرير يشير إلى أننا عندما نقوم بتحليل عدم المساواة والاستجابة لها، علينا أن ندرك أبعادها المتعدِّدة، مثل الأبعاد الاجتماعية والتربوية والبيئية، وعلينا أن ننظر أيضًا إلى ما وراء الأرقام المتوسطة لنرى ما يحدث فعلاً، وأن نأخذ في الاعتبار حقيقة أن المستقبل، خاصةً بالنسبة للأجيال الشابّة، لا يقلّ أهميةً عن الحاضر عند اتخاذ القرارات.
وفيما يبدو في جميع أنحاء العالم أن الفجوات تتقلّص في أبعادٍ أساسيةٍ أكثر، مثل معرفة القراءة والكتابة الأساسية والتكنولوجيا على مستوى المُبتدئين، والقدرة على الصمود أمام الصدمات المألوفة، فإن هذه الفجوات تتسع في إنجازات أكثر تقدمًا، ويشمل ذلك الخدمات الصحية ذات الجودة العالية، وإمكانية الوصول إلى شبكة الإنترنت، والتعليم العالي. إنه جيل جديد من أوجه عدم المساواة.
وفي التكنولوجيا والتعليم، نشهد تطوّرًا في القدرات التي يحتاجها الأفراد في الوقت الحاضر ليكونوا قادرين على المنافسة في المستقبل، بحيث أصبح ما كان يُعتبر في السابق ترفًا، مثل التعليم العالي وإمكانية الوصول إلى شبكة الإنترنت على نطاقٍ واسعٍ، أمرًا ضروريًا. للجميع. ومع ذلك، يقدم التقرير أدلةً تشير إلى أن إمكانية إتاحة هذه السلع تنمو بوتيرةٍ أسرع بكثيرٍ في البلدان ذات المستوى المتقدِّم من التنمية البشرية، تاركةً وراءها بقية بلدان العالم، ممّا يؤدِّي إلى توسيع الفجوة.
ويجادل التقرير بأن أوجه عدم المساواة تظهر حتى قبل الولادة، ممّا يجعل الطفولة المبكرة والاستثمار مدى الحياة أمراً ضروريًا، ويشمل ذلك السياسات التي تستثمر في تعلّم الأطفال اليافعين وصحتهم وتغذيتهم. وعلاوةً على ذلك، سيكون من الصعوبة بمكانٍ معالجة بعض أوجه عدم المساواة على المستوى العالمي. فوفقاً للتوجّهات الحالية، سوف يستغرق سدّ الفجوة بين الجنسيّن في الفرص الاقتصادية وحدها 202 عاماً.
ومثلما نكافح الفيروس من خلال تحليل أعراضه ومعالجة أسبابه الجذرية في أثناء الاستثمار في الوقاية منه، نحتاج أيضاً إلى استيعاب مظاهر عدم المساواة ومعالجة أسبابه الجذرية. والخبر السار في التقرير هو أن الحلول الحالية والمُجرّبة متاحة للتصدِّي للأوجه المتزايدة لعدم المساواة، فتوفير التعليم بمستوى عالٍ من الجودة، وإتاحة التكنولوجيا على نطاق أوسع، واعتماد مُمارسات مستدامة في مجال البيئة، هي طرق للقضاء في وقتٍ واحدٍ على الحرمان الشديد بينما نعمل على تهيئة جميع الناس للعيش بكرامةٍ، وإدارة التداعيات الوخيمة لارتفاع درجة حرارة كوكبنا، والاستفادة من الإكتشافات الحديثة في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات.
غير أن تحليل أوجه عدم المساواة يعني أيضًا أننا بحاجة إلى فهمها على نحوٍ أفضل وأكثر عمقًا. ويجادل التقرير أيضًا بأن الطرق التي نقيس بها أوجه عدم المساواة في الوقت الحاضر، بدءًا بالبيانات التي نستخدمها، غير كافية في أحسن الأحوال. وفي هذا الإصدار والإصدارات المستقبلية من تقرير التنمية البشرية، سوف يتم توفير أدوات مُبتكرة لقياس مستوى الرفاهية.
ويتولّى فريق مثابر من الخبراء المختصِّين من مكتب تقرير التنمية البشرية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عملية تنسيق تقرير التنمية البشرية العالمي، والاستفادة من خبرة العلماء المشهورين على الصعيد العالمي من أمثال توماس بيكيتي ولوكاس تشانسيل، وعلماء آخرين كثيرين.
ويوفِّر التقرير أيضًا مُلحقًا إحصائيًا غنيًا يسمح بإجراء تحليلات مستفيضة لبيانات التنمية البشرية لأكثر من 189 دولة في جميع أنحاء العالم. ولعلّ أكثر الإحصائيات شهرة في هذه التقارير هو أن مؤشر التنمية البشرية يرتِّب البلدان وفقًا لمستوى أدائها في الصحة والتعليم والدخل. وفي هذا الإصدار من التقرير، احتفظت مملكة البحرين بمكانتها بين الدول المتقدمة للغاية في مجال التنمية البشرية، حيث احتلت المرتبة 45 على مستوى العالم، وسجلت أعلى قفزة تصاعدية في جدول تصنيف التنمية البشرية في المنطقة العربية (6 مراكز بين عاميّ 2013 و 2018).
وفيما يخصّ البحرين، فإن هذا التقرير العالمي يصدر بعد عامٍ واحدٍ من إطلاق تقرير البحرين الوطني للتنمية البشرية، حيث تعاوننا من خلال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع مؤسّسة ” دراسات ” (DERASAT) لإجراء تحليل لمسارات النمو الاقتصادي المستدام في البحرين، وطرح قائمة من التوصيات التي يجب على المملكة أخذها في الحسبان تمشياً مع رؤيتها الاقتصادية لعام 2030 وأهداف التنمية المستدامة.
لقد تأسّس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في البحرين عام 1978، وسوف يستمر البرنامج في دعم السياسات والتدخّلات وفقًا للتوجّهات المطروحة أعلاه، وذلك بالتركيز على الاستدامة وتعزيز النمو، والقيام بذلك جنباً إلى جنب مع مرافقة ودعم حكومة البحرين في تنفيذ خطة العمل الحكومية الوطنية للفترة من 2019-2022، والتطلّع إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر بحلول عام 2030.
للإطلاع على تقرير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2019، قم بتنزيل التقرير، واطّلع على الإحصاءات التفاعلية، وسجِّل الدخول في الموقع الإلكتروني التالي: (hdr.undp.org).

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق