بنوك وتأمينرأي وكاتب

الاستثمار في خضم الجائحة العالمية.. رؤية من منظور الاستثمار في الأسهم

بقلم – نشيت لاكوتيا*

لا يمكن إنكار أن وباء كورونا قد تحول إلى أزمة القرن، وأنه قد أثر سلباً على الاقتصاد والأعمال والأفراد في كل أنحاء العالم، ولكن هذا لا يعني أن الفرص قد تلاشت.
ففي حين تبذل الحكومات قصارى جهدها لأجل إيجاد التوازن بين إعادة النشاط الاقتصادي واحتواء فيروس كورونا ، فإن المستثمرين قد بدأوا في البحث عن الفرص المتميزة وسط ما يبدو أنها ستكون فترة طويلة من التقلبات المتزايدة ، فانخفاض أسعار الفائدة في الوقت الحالي يجعل من الأسهم “فئة أصول” مشجعة للمستثمرين أكثر من أدوات الدخل الثابت ولكن في نفس الوقت تتسم الأسهم بطبيعة متقلبة،
الأمر الذي يجعل ضرورة اتخاذ قرار الاستثمار على أساس مدروس ومنضبط من أجل أستهداف تحقيق عائدات مجزية.
لذا نقترح الإطلاع على المنهج التالي ليكون بمثابة مرجعية عند اتخاذ قرار بالاستثمار في الأسهم خلال هذه الفترة الحافلة بالتحديات.
متانة وقوة الميزانية أصبحت أكثر أهمية من الربحية على المدى القصير إلى المتوسط
من الصعب التنبؤ بتأثير توقف الأعمال وتراجع الإيرادات على الربحية، فبالنسبة لمعظم الشركات، فإن مقارنة ربحيتها لعام 2019 بتوقعات الربحية في عام 2020 بل حتى في 2021 سوف تصبح بلا جدوى. لقد تعرضت العديد من القطاعات الاقتصادية لتغييرات هيكلية خلال فترة الوباء، حيث تأثر نموذج أعمال العديد من الشركات والجدوى من أعمالها. وبالتالي تصبح وسائل التقييم الشائعة مثل السعر إلى الربحية، وقيمة المنشأة إلى الأرباح قبل احتساب الفوائد والضريبة والاستهلاك والاطفاءات، والعائد على حقوق المساهمين “مضللة” وغير ذات مغزى عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرار مستقبلي. ولكن حتى إذا خسرت الشركات أموالا هذا العام وجاهدت في العام التالي، فإن قوة ومتانة الميزانية سوف تصبح مؤشرًا أكثر وضوحاً لمدى قدرتها على تحقيق النمو في المستقبل أكثر من الربحية. فإذا كانت الشركة تملك ميزانية قوية – أي رصيد نقدي مرتفع وقروض منخفضة، واستثمارات سائلة على المدى القصير، ومخاطر محدودة على الذمم مستحقة القبض، فإن هذا يعني ارتفاع فرصها في التغلب على الكساد في أعمالها الناتج من الوباء واستعادة نشاطها.
فأي تصحيح رئيسي في سعر سهم الشركات التي تملك ميزانية قوية يكون بمثابة مؤشر جيد للقيام بمزيد من التحليلات من جانب المستثمرين.
قياس الكلفة التشغيلية عنصر مؤثر
إن الشركات التي تتمتع بمستويات منخفضة للكلفة التشغيلية تملك فرصاً أفضل في التعامل مع الانخفاض الطبيعي في المبيعات خلال فترة الأزمة حيث سرعان ما تتمكن من خفض تكاليفها الغير- ثابتة. ففي حين قد لا تتمكن الشركات من التحكم في التأثير على الإيرادات بسبب الغلق الجزئي أو الكلي للأعمال الذي فرضته الحكومات ، فإن الشركة التي تتمتع بمستويات منخفضة للكلفة التشغيلية يمكنها خفض تكاليفها بسرعة للحد من التأثير على ربحيتها وتدفقاتها النقدية. وعليه، يتعين على المستثمرين تحديد هذه الشركات من خلال تحليل هيكل التكاليف مع تركيز خاص على الإجراءات التي تم اتخاذها للحد من التأثير السلبي على الربحيه. وبالرغم من أن الشركات التي تتمتع بمستويات عالية من الكلفة التشغيلية قد تستفيد بشكل أكبر فور عودة الأعمال إلى طبيعتها، إلا أن التركيز في الوقت الحالي يجب أن يكون على الشركات التي لديها القدرات على تجاوز الأزمة.
دراسة تطلعات النمو والمخاطر المحيطة للقطاع ككل
إن تأثير الواقع الجديد الذي فرضه علينا الوباء مثل العمل من المنزل، والقيود المفروضة على السفر، والقوانين الحكومية، قد أثرت على بعض القطاعات أكثر من غيرها. عند اتخاذ قرار الاستثمار، يصبح من المهم أن نأخذ في الحسبان درجة الضرر التي تعرض لها القطاع أو المحتمل أن يتعرض لها في الفترة القادمة خاصة مع تزايد حالات الإصابة بفيروس كوفيد.
يتعين النظر إلى مستقبل القطاع محل الدراسة، والتعرف على مستوى المخاطر التي يمكنك تحملها في حالة الاستثمار في مثل هذه الظروف. إن قطاعات مثل الفنادق والمطاعم والتموين أو السفر والسياحة (النقل الجوي وبيع التذاكر) قد تضررت بشكل كبير وتملك رؤية محدودة حول متى وكيف ستعود الأمور إلى طبيعتها. يجب على المستثمر توفي الحذر عند الأستثمار في شركات القطاعات السالف ذكرها، حيث تملك القليل منها فرصة لأستعادة توازنها أو الأستمرار في نشاطها. وبينما توجد بعض القطاعات المتأثرة التي سوف تستعيد نشاطها أسرع من قطاعات أخرى، فإنه هناك قطاعات، مثل تقنية المعلومات والاتصالات والقطاع الرقمي قد أبلت بلاءً حسناً تحت الواقع الجديد مع زيادة الطلب على المؤتمرات المرئية، والتطبيقات الرقمية المختلفة.
وفي دول مجلس التعاون الخليجي، كان قطاع السلع الاستهلاكية والخدمات خاصة الاتصالات أقل تأثراً. لذلك يجب على المستثمرين بناء محافظهم مع الأخذ بعين الأعتبار نسبة المخاطرة التي تناسب أمكانياتهم، وتحديد القطاعات الأمثل ومن ثم أسهم الشركات.
عدم إغفال أهمية خطط الانقاذ الحكومية ومبادرات البنوك المركزية
حرصت الحكومات والبنوك المركزية في جميع أنحاء العالم على اتخاذ إجراءات مؤقتة للتخفيف من وطأة الأزمة على الشركات والأفراد، وذلك في إطار مساعيها للحد من تأثير الوباء على اقتصادها، ومساعدة الشركات على البقاء. وهنا يتعين الإطلاع بعناية على هذه الإجراءات عند تقييم الآثار المترتبة على الشركات المرغوب الاستثمار فيها.
الجدارة في الأدارة و التواصل الفعال والمرونة في التعامل مع الأزمة من عوامل التقييم لأسهم الشركات
إن الشركات المدرجة التي تتمتع بفريق إدارة يحرص على التواصل الفعال مع جميع الجهات ذات العلاقة وفق أسلوب استباقي متناسق ويلتزم بتوضيح استراتيجية شركته ويستطيع التعامل مع مخاوف المستثمرين بانتظام، سوف تشهد مثل هذة الشركات المزيد من الاهتمام من جانب المستثمرين مقارنة بالشركات الأخرى. ويجب الأخذ في الاعتبار أيضًا قدرة فريق الإدارة على تطوير نماذج أعمالهم بفعالية وسرعة والتعايش مع الواقع الجديد. على سبيل المثال، فإن شركات التجزئة التي لم تنجح في التحول إلى التجارة الإلكترونية سوف تتعرض لضرر من جراء الأزمة أكثر من الشركات التي نجحت في ذلك.
الاستثمار خلال فترة الجائحة يتطلب تحمل قدر كبير من التقلبات
أحد عناصر الجذب الشائعة للمستثمرين هو الاستثمار في أسهم الشركات التي شهدت أنهيار في أسعار أسهمها بعد أن وصلت أسعار أسهمها لأعلى مستوياتها في 52 أسبوعاً. وبينما قد يتمكن المستثمرون من شراء هذه الأسهم عند أسعار مخفضة، إلا أنه هناك عادة أسباب تبرر هبوط الأسعار وهو ما يعني إمكانية التعرض لمزيد من الانخفاض في المستقبل. لذا ينصح بالحفاظ على جزء من المحفظة في شكل أموال نقدية، بحيث توفر هذه السيولة النقدية للمستثمر المرونة اللازمة للاستثمار في الشركات المرموقة التي تملك عوامل جوهرية جيدة بأسعار جذابة في حالة إجراء تصحيحات حادة. بالإضافة إلى ذلك، يجب إقصاء العواطف عن قرار الاستثمار مع التمتع بالموضوعية، وتجنب أي عوامل جذب تدفع المستثمر إلى حصد الأرباح في وقت مبكر أو التمسك بأسهم خاسرة لمدة طويلة.
وبالرغم من أن هناك المزيد من العوامل والمتغيرات التي يجب أخذها في الاعتبار عند الاستثمار في الأسهم ، خاصة في وقت الأزمات، فإن النقاط المرجعية المذكورة أعلاه تمثل الأسس المبدئية اللازمة للأستثمار السليم وانتقاء الفرص في هذه الظروف .

*رئيس قسم البحوث الأستثمارية – سيكو

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق